في حضرة الغياب…

Be Optimistic!
April 20, 2010
فوضى حواس…
September 2, 2011

في حضرة الغياب…

الحنين مسامرة الغائب للغائب

والتفات البعيد الى البعيد

الحنين عطش النبع الى حاملات الجرار

والعكس ايضا صحيح

الحنين يجر المسافة وراء المسافة

كأن التطلع الى  امام يسمى املا,خاطرة شعرية  ومغامرة

فعل المضارع حائر متردد

وفعل الماضي الناقص معلق على سروة

وقفت خلف تلة ,على ساقها الراسخة

والتفت بأخضرها الداكن؟ ارهفت السمع الى صوت واحد

صوت اريح . الحنين هو صوت الريح

وكلما توغلت في وحدتك, كتلك الشجرة

أخذك الحنين برفق امومي الى بلده المصنوع

من مواد شفافة هشة

فللحنين بلد وعائلة وذوق رفيع

في تصفيف الازهار البرية

وله زمن منتقى برعاية إلهية

زمن اسطوري هاديء ينضج فيه التين على مهل

وينام فيه الظبي الى جانب الذئب في خيال الولد

الذي لم يشاهد مذبحة

ويطوف بك الحنين,كدليل جنة سياحي

في أنحاء بلاده, ويصعد بك الى جبل

كنت تأوي اليه وتتمرغ في النباتات البرية

حتى تتشرب مسام جلدك برائحة المريمية

الحنين هو الرائحة

وللحنين فصل مدلل هو الشتاء

يولد من قطرات الماء الاولى على عشب يابس

فيصعًد زفرات استغاثة أنثوية

عطشى الى البلل

وعد بزفاف كوني هو المطر

وعد بإنفتاح المغلق على جوهر

وحلول المطلق في ماهيًات

هو المطر

كم من سنديانة هناك تشرئب الى اثنتين أنت وهي

تركضان تحت المطر, بلا مظلة وبلا قبعة

سعيدين بفضيحة شريفة

سعيدين بنصف عري

تركضان ولا تعرفان الى اين

متحررين من الطريق ومن الهدف

تلهثان معا من تعب لذيذ السبب

وتندسان في جوف سنديانة

ضيق لا يتسع الا لواحد

فتلتصق بك وتلتصق بها

حتى تصيرا اثنين في واحد

وتعتصرك وتعتصرها فيسخن الماء

عليكما وفيكما

وتلهثان من الدفء

ولا تحتاجالشهوة الى ذريعة المطر

الذي ادخلكما الى مخدع السنديانة

وانصرف

الحنين هو اختلاط النار في الماء

وللحمى صفة اخرى ..هي الحنين

في كل شتاء يوجعك فرح غائب

وتمشي تحت المطر واحدا في اثنين

أنت…ومن كنته في شتاء اخر

فتُفتفت الى نفسك كلاما لا تفهمه

لعجز الذاكرة عن استعادة العاطفة السالفة

ولقدرة الحنين على اضفاء ما لم يكن

على ما كان

كان تصبح الشجرة..غابة

وكأن تكون سعيدا في زنزانة

تراها اوسع من حديقة عامة

وكان يكون الماضي واقفا في انتظارك غدا

ككلب وفي

الحنين لا يكذب …ولا يتعب

من الكذب..لانه يكذب بصدق

كذب الحنين مهنة

والحنين..شاعر محبط

يعيد كتابة القصيدة الواحدة مئات المرات

وعجوز ما زال يحبو

لأنه نسي حركةالزمن وتحاشى النظر في المراة

الحنين هو التزوير البريء للوثائق

لحماية مرجعية المنفيَ من الصدأ

وهو الكلس الضروري

لتلميع البيوت المهجورة

لكن احدا لا يحن الى وجع او هلع او جنازة

الحنين هو اختصاص الذاكرة في تجميل ما احتجب من المشهد

وترميم شباك سقط دون ان يصل سقوطه الى الشارع

والحنين …قصاص المنفي من المنفي

وخجل المنفي من الاعجاب بموسيقى

منفى وحدائق

فأن تحن يعني أن لا تغتبط بشيء ..هنا

الا على استيحاء

لو كنت هناك_تقول_لو كنت هناك

لكانت ضحكتي أعلى وكلامي اوضح

فالحنين هو…توق الكلمات الى حيزها الاول

حتى لو كانت غامضة وغريبة عن الجماعة

لكني_تقول لنفسك_أوئر الاغتراب

في المنفى على الاغتراب في البيت

ففي المنفى ما يوجب ذلك

لذلك تحن في الزحام الى نفسك

الى خلوة للكتابة

الكتابة اقتراب واغتراب

يتبادلان الماضي والحاضر

ظما الكلمات الى ماء يلمع في سراب الاسطورة

وانقلاب التشبيه على المُشبه

وتمويه الواقع بالصورة

بيدي الحنين الحريريتين تروض المسافة

إذ تسقف سماءك بكواكب مستعارة

وتمضي مع امرأة اخرى,حقيقية

الى غرفة دافئة

معافى من اسباب الحمى

ومن انين متقطع لا يكتمل

فلصوت المطر على الزجاج هياج الرغبة

ليس أكثر من هذا ليبزغ الضوء

من ليل الجسد: سريرك سركَ

ماضيك يأتي غدا على نجمة لا تصيب

الندى …بأذى

تلقي رأسك على ركبتيها لتستمع الى ما يقول الجسد

الخالي من الحنين

فقد خََُلقت حواء للتو

وللتو ولدت بلا ذاكرة

انت غدي وحاضري ولا امس لي

تنامان اثنين في واحد

ولا تحلمان بما هو اكثر من هذا

لم يسألأحد منكما الاخر

عن معنى الاسم

من شدة ما كان مجهولكما الشهي عاكفا على تأجيج الفتنة

تفتنك وتفتنها

وبعد أن تمتلكها وتمتلكك

وتمتليء بها وتمتليء بك

يناديك ما يناديها من اقاليم البعيد

فتحن هي الى ماضيها خلف الباب

والى اغنية غير اغنيتك

الحنين الى البداية

الى الطريقة التي تم بها ايلاج المفتاح

في قفل الباب

وإخفاء النظرة عن غايتها

واختيار المقعد..وموسيقى الليل بعفوية متمرسة

هوالتمرين العاطفي على جسً نبض الكون

وهو , اي ذاك الحنين استرجاع للفصل الأجمل

في الحكاية: الفصل الأول المرتجل بكفاءة البديهة

هكذا يولد الحنين من كل حادئة جميلة

ولا يولد من جرح

فليس الحنين ذكرى

بل هو ما ينتقى من متحف الذاكرة

الحنين انتقائي كبستاني ماهر

وهو تكرار للذكرى وقد صُفيت من الشوائب

وللحنين أعراض جانبية منها

 إدمان الخيال النظر الى الوراء

والحرج من رفع الكلفة مع الممكن

والإفراط في تحوبل الحاضر الى ماض

حتى في الحب

تعالي معي لنصنع الليلة ماضيا مشتركا

يقول المريض بالحنين

سآتي معك لنصنع غدا مشتركا

تقول المصابة بالحب

هي لا تحب الماضي وتريد نسيان الحرب

التي انتهت

وهو يخاف الغد لأن الحرب لم تنته

ولأنه يريد ان يكبر أكثر

 الحنين ندبة في القلب

وبصمة بلد على الجسد

لكن لا أحد يحن الى جرحه

لا أحد يحن الى وجع أو كابوس

بل يحن الى ما قبله

الى زمن لا ألم فيه سوى ألم الملذات الاولى

التي تذوب كقطعة سكر في فنجان شاي

الى زمن فردوسي الصورة

والحنين نداء الناي للناي

لترميم الجهة التي كسرتها حوافر الخيل

في حملة عسكرية

هو المرض المتقطع الذي لا يعدي ولا يميت

حتى لو اتخذ شكل الوباء الجمَعي

هو دعوة للسهر مع الوحيد

وذريعة العجز عن المساواة مع ركاب قطار

يعرفون عناوينهم جيدا

وهو ما يجمع لأحلام الغرباء

من مواد مصنوعة من شفافية اللاشيء الجميل

ويحمص لهم ونادرا ما يأتي صباحا

ونادراما يتدخل في حديث عابر

مع سائق تاكسي

ونادرا ما يتطفل على قاعة مؤتمر

أو على موعد اول بين ذكر وانثى

هو زائر المساء

حين تبحث عن آثارك في ما حولك ولا تجدها

حين يحط على الشرفةدوريَ

يبدو لك انه رسالة من بلد لم تحبه وانت فيه

كما تحبه الان وهو فيك

كان معطى وشجرة وصخرة

وصار عناوين روح وفكرة

وجمرة في اللغة

كان هواء وترابا وماء ..وصار الى قصيدة

الحنين انين الحق العاجز عن الاتيان بالبرهان

عى قوة الحق أمام القوة المتمادية

انين البيوت المدفونة تحت المستعمرات

يورثه الغائب للغائب

والحاضر للغائب

مع قطرة الحليب الاولى

في المهاجر والمخيمات

الحنين صوت الحرير الصاعد من التوت

الى من يحن اليه في انين متبادل

هو اندماج الغريزة بالوعي واللاوعي

وشكوى الزمن المفقود من سادية الحاضر

الحنين وجع لا يحن

هو الوجع الذي يسببه الهواء النقي القادم

من اعالي جبل بعيد

وجع البحث عن فرح سابق

لكنه وجع من نوع صحي

لأنه يذكرنا بأننا مرضى

بالأمل…وعاطفيون!!

من نص في حضرة الغياب- محمود درويش “رحمه الله”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *